ابن الجوزي
110
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
لها : أمير المؤمنين متحسر عليك وله اشتريتك ، فسرت ودعت لها ، ولبثت أياما تصنعها تلك القيمة حتى إذا ذهب عنها وعث السفر قالت سعدى [ 1 ] ليزيد : إني أحب أن تمضي معي إلى بستانك بالغوطة لنتنزه فيه ، قال : أفعل فتقدميني ، فمضت وضربت ، فيه قبة وشي ونجدتها بالفرش وجعلت داخلها كله قصب وأجلست فيها حبابة ، وجاء يزيد فأكلوا وجلسوا على شرابهم ، فأعادت سعدى عليه : هل بقي في قلبك من الدنيا شيء لم تبلغه ؟ قال : نعم حبابة ، قالت : فإنّي قد اشتريت جارية ذكرت أنها علمتها غناءها كله ، فهي تغني مثلها فتنشط لاستماعها ، قال : أي والله ، فجاءت به إلى القبة وجلسا قدامها وقالت : غني يا جارية ، فغنت الصوت الَّذي غنته ليزيد لما اشتراها وهو من شعر كثير : وبين التراقي والفؤاد حرارة مكان الشجى لا تستقل فتبرد قال يزيد : حبابة والله ، فقالت : سعدى : حبابة ، والله لك اشتريتها وقد أهديتها لك فسر سرورا عظيما وشكرها غاية الشكر وانصرفت وتركته مع حبابة ، فلما كان بالعشي صعد معها إلى مستشرف في البستان وقال لها : غني وبين التراقي والفؤاد حرارة مكان الشجى لا تستقل فتبرد فغنته فأهوى ليرمي بنفسه وقال : أطير والله ، فتعلقت به وقالت له : الله الله يا أمير المؤمنين ، فأقام معها ثلاثة أيام ثم انصرفا ، فأقامت أياما ثم مرضت وماتت فحزن عليها حزنا شديدا وامتنع من الطعام والشراب ومرض فمات . أخبرنا المبارك بن علي ، قال : أخبرنا ابن العلاف ، قال : أخبرنا عبد الملك بن بشران ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم ، قال : أخبرنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا علي بن الأعرابي ، قال : حدّثنا علي بن عمروس : أن يزيد بن عبد الملك دخل يوما بعد موت حبابة إلى خزائنها ومقاصيرها ، فطاف فيها ومعه جارية من جواريها فتمثلت الجارية بهذا البيت : كفى حزنا بالواله الصب أن يرى منازل من يهوى [ 2 ] معطلة قفرا
--> [ 1 ] في الأصول : « سعدة » . [ 2 ] في الأصل : « من يهواها » .